كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



واختلف القراء في هذين الحرفين. فأمالها أهل الكوفة وفخمها الآخرون.
وأمّا أبو عمرو فكان يكسر الأول ويفتح الآخر يعني فهو في الآخرة أشد عمي لقوله: {وَأَضَلُّ سَبِيلًا} هي اختيار أبي عبيدة.
قال الفراء: حدثني بالشام شيخ من أهل البصرة إنه سمع من العرب تقول: ما أسود شعره.
قال الشاعر:
أما الملوك فأنت اليوم الأمم ** لؤمًا وأبيضهم سربال طباخ

{وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} الآية اختلفوا في سبب نزولها.
فقال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود فمنعته قريش وقالوا: لاندعك حتّى تلم بآلهتنا فحدث نفسه وقال: ما عليَّ أن ألمَّ بها والله يعلم إني لها كاره بعد أن يدعونني أستلم الحجر فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.
قتادة: ذكر لنا أن قريشًا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصباح يكلمونه ويخيرونه ويسودونه ويقارنونه وكان في قولهم أن قالوا: إنك تأتي بشيء لايأتي به أحد من الناس وأنت سيدنا فإين سيدنا فمازالوا يكلمونه حتّى كاد يقاربهم في بعض مايريدون ثمّ عصمه الله تعالى من ذلك وأنزل هذه الآية.
مجاهد: مدح آلهتهم وذكرها ففرحوا. ابن [جموح]: أتوه وقالوا له: أئت آلهتنا فأمسها فذلك قوله: {شَيْئًا قَلِيلًا}.
ابن عبّاس: قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال.
قال: ماهن؟
فقالوا: لا ننحني في الصلاة ولا نكسر أصنامًا بأيدينا [وتمتعنا باللات] سنة.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم فذلك لكم وأما الطاعة للات فإني غير ممتعكم بها».
فهنا قالوا لرسول الله: فإنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا مالم تعطه غيرنا فإن كرهت ذلك وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم مالم تعطنا فقل الله أمرني بذلك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم ليؤمنوا، فعرف عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لما سألوه فقال: ما لكم آذيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرق الله أكبادكم إن رسول الله لا يدع الأصنام في أرض العرب إما أن تسلموا وإما أن ترجعوا فلا حاجة لنا فيكم.
فأنزل الله تعالى هذه الآية ووعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك.
عطية عنه قالت ثقيف للنبي صلى الله عليه وسلم أجّلنا سنة حتّى نقبض ما تُهدي لآلهتنا فإذا قبضنا التي تُهدى لآلهتنا كسرناها وأسلمنا، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤجلهم فأنزل الله تعالى: {وَإِن كَادُواْ} وقد هموا {لَيَفْتِنُونَكَ} ليستزلونك ويصرفونك {عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ} لتختلف {عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا} لو فعلت مادعوك إليه {لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} أي قالوك وصافوك {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} على الحق بعوننا {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ} تميل {إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} ولو فعلت ذلك {إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات} المحتضر أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يعني ضعفّنا لك العذاب في الدنيا والآخرة {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} ناصرًا يمنعك من عذابنا.
قال قتادة: فلما نزلت هذه الآيات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لاتُكلّني إلى نفسي طرفة عين».
{وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ} ليسخفونك {مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا} الآية.
قال الكلبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة حسدت اليهود مقامه بالمدينة وكرهوا قربه منهم فأتوا فقالوا: يا محمّد أَنبيٌ أنت؟ قال: نعم، قالوا: والله لقد علمت ما هذه بارض الأنبياء وإن أرض الأنبياء الشام، وكأنى بها إبراهيم والأنبياء: فان كنت نبيًا مثلهم فأت الشام وقد علمنا إنما يمنعك الخروج إليها مخافتك الروم وإن الله سيمنعك بها من الروم إن كنت رسوله وهي الأرض المقدسة وإن الأنبياء لايكونوا بهذا البلد.
فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة وأربعة أميال، وفي بعض الروايات إلى ذي الحليفة، حتّى ترتاد ويجتمع عليه أصحابه وينظر إليه الناس: فأنزل الله عزّ وجل: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض} التي كنت بها وهي أرض المدينة.
وروى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن الحكم: إن اليهود أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا أنك نبي فالحق بالشام فإنها أرض المحشر والنشر وأرض الأنبياء فصدّق رسول الله ما قالوا وقد كان في غزوة تبوك لايريد بذلك إلاّ الشام فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آية من سورة بني إسرائيل بعدها ختمت السورة {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض} الآية وأمره بالرجوع إلى المدينة وقال: فيها خيلك وملكك وفيها مبعثك. قال مجاهد وقتادة: همَّ أهل مكة عمدًا بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ولو فعلوا ذلك لما توطنوا ولكن الله كفهم عن إخراجه حتّى أمره ولقلما لبثوا مع ذلك بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة حتّى أهلكهم الله يوم بدر. وهذا التأويل أليق بالآية لأن ماقبلها خبر من أهل مكة ولم يجد لليهود ذكر ولأن هذه السورة مكية.
وقيل: هم الكفار كلهم كادوا أن يستخفوه من أرض العرب بإجتماعهم وتظاهرهم عليه فمنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم ولم ينالوا منه ما أملوا من الظفر ولو أخرجوه من أرض العرب لم يميلوا أن يقيموا فيها على كفرهم بل أهلكوا بالعذاب فذلك قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا} {وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ} أي بعدك وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز وإختاره أبو عبيد.
وقرأ الباقون: خلافك وإختاره أبو حاتم إعتبارًا بقوله: {فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله} [التوبة: 81] ومعناه أيضًا بعدك.
قال الشاعر:
عفت الديار خلافها فكأنما ** بسط الشواطب منهن حصيرا

أيّ بعدها.
{إِلاَّ قَلِيلًا} حتّى تهلكوا {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} أيّ كسنّتنا فيمن أرسلنا قبلك من رسلنا إذا يكذبهم الأُمم أهلكناهم بالعذاب ولايعذبهم مادام فيهم بين أظهرهم فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم عذبناهم {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} تبديلًا.
{أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس} قال إبراهيم النخعي ومقاتل بن حيان والسدي ويمان وابن زيد: دلوكها غروبها.
قال الشاعر:
هذا مقام قدمي رياح ** غدوة حتّى هلكت براح

أي غربت الشمس، وبراح اسم للشمس مثل قطام وجذام ورفاش.
ويروى، براح بكسر الباء يعني إن الناظر يضع كفه على حاجبه من شعاعها لينظر ما بقى من غبارها، ويقال ذلك للشمس إذا غاب.
قال ذو الرمة:
مصابيح ليست باللواتي يقودها ** نجوم لا بالأفلات الدوالك

ودليل هذا التأويل حديث عبد الله بن مسعود إنه كان إذا غرب الشمس صلى المغرب وأفطر إن كان صائمًا ويحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو أن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة وهي التي قال الله {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس}.
وقال ابن عمرة وابن عبّاس وجابر بن عبد الله وأبو العالية وعطاء وقتادة ومجاهد والحسن ومقاتل وجعفر بن محمّد وعبيد بن حجر: دلوكها زوالها، وبه قال الشافعي رضي الله عنه، يدل عليه حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبرئيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر».
وقال أبو برزة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس ثمّ تلا هذه الآية {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس}.
قال جابر بن عبد الله: دعوت النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي ثمّ خرجوا حين زالت الشمس فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس».
وعلى هذا التأويل يكون الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها، فدلوك الشمس صلاة الظهر والعصر، وغسق الليل صلاتا العشاء، وتصديق هذا التفسير إن جبرئيل عليه السلام حين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة إنما بدأ بصلاة الظهر.
وروى محمّد بن عمار عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاءني جبرئيل صلى الله عليه وسلم فصلى صلاة الظهر حين زاغت الشمس ثمّ جاءني فصلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثمّ صلى بي المغرب حين غربت الشمس ثمّ صلى بي العشاء حين غاب الشفق ثمّ جاءني فصلى بي الصبح حين طلع الفجر، ثمّ جاءني في الغد فصلى بي الظهر حين كان ظل كلّ شيء مثله ثمّ صلى بي العصر حين كان ظل كلّ شيء مثليه ثمّ صلى بي المغرب حين غربت الشمس ثمّ صلى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل ثمّ صلى بي الصبح حين أسفر ثمّ قال: هذه صلاة النبيين من قبلك فالزمهم».
عطاء بن أبي رياح عن جابر قال: أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه مواقيت الصلاة فتقدم جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس وآتاه حين كان الظل مثل شخصه فصنع كما صنع فتقدم جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العصر.
ثمّ أتاه حين وجبت فصلى المغرب وقد تقدم جبرئيل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى المغرب ثمّ أتاه حين غاب الشفق فتقدم جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العشاء ثمّ أتاه جبرئيل حين انشق الفجر فتقدم جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الغداة ثمّ أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه فصنع مثل ما صنع بالأمس صلى الظهر. ثمّ أتاه حين كان ظل الرجل منّا مثل شخصيه فصنع كما صنع بالأمس فصلى العصر. ثمّ أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى المغرب متمنيًا ثمّ تمنا ثمّ قمنا فأتاه فصنع كما صنع بالأمس صلى العشاء. ثمّ ابتدأ الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة فصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة ثمّ قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت.
وعن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عبّاس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبرئيل عند باب الكعبة مرتين فصلى الظهر حين كان الفيء مثل الشراك ثمّ صلى العصر حين كان كل شيء بقدر ظله ثمّ صلى المغرب حين أفطر الصائم ثمّ صلى العشاء حين غاب الشفق ثمّ صلى الصبح حين حرم الطعام والشراب على الصائم ثمّ صلى الظهر في المرة الأخيرة حين كان كل شيء بقدر ظله لوقت العصر بالأمس، ثمّ صلى العصر حين كان ظل شيء مثليه ثمّ صلى المغرب للوقت الأول لم يؤخرها ثمّ صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل ثمّ صلى الصبح حين أسفره ثمّ التفت فقال: يا محمّد هذا وقت الأنبياء من قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين».
{إلى غَسَقِ اليل} إقباله بظلامه.
قال ابن عبّاس: بدو الليل. قتادة: صلاة المغرب.
مجاهد: غروب الشمس. أبو عبيدة: سواده.
ابن قيس الرقيات:
إن هذا الليل قد غسقا ** فأشتكيت الهم والأرقا

وقيل: غسق يغسق غسوقًا.
{وَقُرْآنَ الفجر} أيّ صلاة الفجر فسمى الصلاة قرآنا لأنها لا تجوز إلاّ بقرآن، وقيل: يعني قرآن الفجر ما يقرأ به في صلاة الفجر.
وإنتصاب القرآن من وجهين: أحدهما: أنه عطف على الصلاة أي أقم قرآن الفجر، قاله الفراء، وقال أهل البصرة: على [الاغراء] أي وعليك بقرآن الفجر.
وقال بعضهم: إجتماعه وبيانه وحينئذ يكون مجاز أقم الصلاة لدلوك الشمس بقرآن الفجر.
{إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُودًا} يشهد ملائكة الليل وملائكة النهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، وفي هذه الآية دليل واضح على تعلق وجوب الصلاة بأول الوقت فإستحباب التغليس بصلاة الفجر.
الزهوي عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح».
قال: يقول أبو هريرة: إقرأوا إن شئتم {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا}.
{وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ} أي قم بعد نومك وصل.
قال المفسرون: لا يكون التهجد إلاّ بعد النوم يقال: تهجد إذا سهر، وهجد إذا نام.
وقال بعض أهل اللغة: يقال تهجد إذا نام وتهجد إذا سهر وهو من الاضداد.
روى حميد بن عبد الرحمن بن عوف: عن رجل من الأنصار إنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وقال: لأنظرنّ كيف يصلي النبي صلى الله عليه وسلم قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ إستيقظ فرفع رأسه إلى السماء فتلا أربع آيات من سورة آل عمران: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ} [الآية: 190] ثمّ أهوى بيده إلى القربة وأخذ مسواكًا فأستّن به ثمّ توضأ ثمّ صلى ثمّ نام ثمّ إستيقظ، فصنع كصنيعه أول مرة، ويزعمون أنه التهجد الذي أمره الله تعالى.